محمد محمد أبو موسى
641
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ويقول الزمخشري في هذه الآية : « ثم أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم ، ولأنه أدخل في امحاض النصح حيث لا يريد لهم الا ما يريد لروحه ، ولقد وضع قوله : « وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي » مكان قوله : « وما لكم لا تعبدون الذي فطركم » ألا ترى إلى قوله : « وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » ولولا أنه قصد ذلك لقال : الذي فطرني واليه أرجع ، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال : « آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ » « 13 » . ويقول ابن الأثير في قوله تعالى : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ » « 14 » : « فإنما قال « فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ » ولم يقل : فآمنوا باللّه وبي ، عطفا على قوله : « إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ » لتجرى عليه الصفات التي أجريت عليه وليعلم أن الذي وجب الايمان به والاتباع له هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمى الذي يؤمن باللّه وبكلماته كائنا من كان ، أنا أو غيرى ، اظهارا للنصفة وبعدا من التعصب لنفسه » « 15 » . ويقول الزمخشري في هذا : « فان قلت : هلا قيل : آمنوا باللّه وبي بعد قوله « إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً » ؟ قلت : عدل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجرى عليه الصفات التي أجريت عليه ، ولما في طريقة الالتفات من مزية البلاغة ، وليعلم أن الذي وجب الايمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقل بأنه النبي الأمى الذي يؤمن باللّه وكلماته كائنا من كان ، أنا أو غيرى ، اظهارا للنصفة وتفاديا من التعصب لنفسه » « 16 » . وقريب من هذا التوافق ما يذكره في قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ
--> ( 13 ) الكشاف ج 4 ص 8 ( 14 ) الأعراف : 158 ( 15 ) المثل السائر ج 2 ص 182 ، 183 ( 16 ) الكشاف ج 2 ص 131